علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

314

الصداقة والصديق

في مثل هذا الميدان مدة طويلة متمتعين بالمؤاكلة ، والمشاربة ، واللقاء والمحادثة ، وأخو الثقة يرمق الحركة ، ويراعي اللحظة ، ويتأول اللفظة ، وإن ظهرت منكرة وقف عندها ، وتعرّف سببها ، وتبيّن موقعها من العمد « 1 » والخطأ ، ومقدارها في الصّغر والكبر ، وهل يقلّ صغيرها عن المعاتبة ، أو يبلغ كبيرها ترك المراجعة ، وينزل الأمور بين هذين الطرفين منازلها ، ويعمل في ما يستقرّ عليه بما هو أصون لعقدته « 2 » وإن كانت نفيسة ، لأن [ أخا ] الثقة من الإخوان يمنح الأنس ، ويبثّ ذات النفس ، ويظهر العجر والبجر « 3 » ، ويكشف الأسرار ، ويخصّ بخواص الأخبار ، ويدّخر « 4 » للنوازل ، ويفزع إليه « 5 » في النوائب ، فيعدّ للمشهد والمغيب ، واليوم والغد ، والمحيا والممات ، والنفس والعقب ، ويستظهر بإخائه على الزمان ، ويعتضد به في الحدثان ، وإنّما يستحقّ ذلك ما نقي جيبه ، وسلم غيبه ، وخلص قلبه ، وصحّ لبّه ، ولوقوفه على هذه الغاية من الاستحقاق يراعيه من أودعه أجلّ ودائعه ، وجعله أفضل عدده ، والحمد للّه الذي جعلك مقدّما في إخوان الصفاء ، يثق بك الصديق ، وتخفّ المحنة عليه في مراعاة طويتك بصحة عقدك ، وكرم عهدك ، وتمسكك في وردك « 6 » وصدرك بعصم الدين التي تشتمل على المناقب ، وتنفي المقابح

--> ( 1 ) فعله عمدا وعن عمد : قصدا لا خطأ . ( 2 ) ج ق - لعهدته . ( 3 ) العجر مفردها عجرة وهي العقدة في الخيط والعصا وعروق البدن . البجر : مفردها بجرة وهي السّرّة ويقال : ذكر عجره وبجره : أي عيوبه . ( 4 ) ج ق - يدحر . ( 5 ) ج ق - إليها . ( 6 ) ورد يرد ورودا الماء : أشرف على الماء خلاف صدر ، والمصدر الورد .